ابن بسام
179
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
تنكشف ، والدماء تسفك ، والحرم تنتهك ، والإسلام يعلز علز [ 1 ] المحتضر ، وأهله للشّرك كالهشيم المحتظر ، فلا حرمة الإسلام رعيتم ، ولا ذمام المشاركة قضيتم ؛ فلم تعدّون ذلك من ذنوبنا ، وتبثّون بذلك رسلكم في البلاد ، وتنادون هلمّ إلى الجهاد ، تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم واللّه يعلم ما تكتمون [ 2 ] ، بل تدبّون الضّراء ، وتسرّون حسوا في ارتغاء [ 3 ] كلّ ذلك بمرأى ومسمع منّا ، وغير غائب عنا ، ولا نزداد مع حركتكم إلّا سكونا ، ومع تخشّنكم إلّا لينا ، فأبقوا على الودّ ما دام بوفائه ، وصونوا جمال الحال ما بقي بمائه : ولا توبسوا بيني وبينكم الثرى * فإن الذي بيني وبينكم مثري [ 4 ] والعدوّ الذي حذرتم نحن أشدّ حذرا منه ، وأعظم نفارا عنه ، فقد صحّ عندنا من أمره ، ما يضيق الصدر بحمله ، فيا للمسلمين ! تعالوا إلى التعاون ، واتفقوا ولا تفرّقوا ، واتقوا عاقبة الخذلان . وقد ناديت إن أسمعت ، ونصحت بقدر ما استطعت ، فإن وافقت قبولا ، ولقيت تأويلا جميلا ، فإن الخير عتيد ، والتناول غي بعيد ، وإن كان للهوى سلطان ، وللتعسف / عدوان ، فأخلق بلأمة العزم أن يتدرعها مدرك لا يضام ، ومحرب لا ينام [ 5 ] ، يقتحم النار ، ولا يخشى العار ، في يوم لا تطلع شمسه ، ولا يذكر أمسه : تبدو كواكبه والشمس طالعة * لا النور نور ولا الإظلام إظلام وحينئذ تستغرب ما إليه أشرت ، وتستسهل [ 6 ] ما منه حذّرت ، من استعمال العقّير البرشلونيّ على ما نهجت الحكماء عند إعضال الداء ، من استعمال السّموم في أثناء الدواء ، ليتفق مزاجها ، وينفذ علاجها ، فإن كان ما يحاولونه من التدبير ، سببا لذلك العقّير ، فهو قريب عتيد ، وإن كنتم على ما عهدنا فهو من جهتنا نازح بعيد ، وهذه جملة مفصّلة ، وحقيقة محصّلة ، فإما ألفة وانتظام [ 7 ] ، واتفاق يحيي رمق الإسلام ، وإما داعية
--> [ 1 ] يعلز : تأخذه كربة الموت ؛ ب م س ط د : يعلق على . [ 2 ] ناظر إلى الآية 168 من سورة آل عمران . [ 3 ] في هذا المثل انظر : فصل المقال : 76 ، والميداني 2 : 251 . [ 4 ] البيت لجرير ، ديوانه : 421 ، وأمالي القالي 1 : 94 ، والسمط : 292 ( واللسان : ثرى ) . [ 5 ] ناظر إلى قول المتنبي : لا افتخار إلا لمن لا يضام * مدرك أو محارب لا ينام [ 6 ] د ط س : يستغرب . . . ويستسهل . [ 7 ] د ط س : ونظام .